#1  
قديم 03-09-2007, 06:14 PM
أبوبكر
زائر
 
المشاركات: n/a
Post من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

الكتاب : زاد المعاد
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول وترقيمه موافق للمطبوع ]


زاد المعاد في هدي خير العباد
مُقَدّمَةُ الْمُؤَلّفِ
[ ص 35 ] حَسْبِي اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ وَلَا عُدْوَانَ إلّا عَلَى الظّالِمِينَ وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ إلَهُ الْأَوّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَقَيّومُ السّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَالِكُ يَوْمِ الدّينِ الّذِي لَا فَوْزَ إلّا فِي طَاعَتِهِ وَلَا عِزّ إلّا فِي التّذَلّلِ لِعَظَمَتِهِ وَلَا غِنًى إلّا فِي الِافْتِقَارِ إلَى رَحْمَتِهِ وَلَا هُدًى إلّا فِي الِاسْتِهْدَاءِ بِنُورِهِ وَلَا حَيَاةَ إلّا فِي رِضَاهُ وَلَا نَعِيمَ إلّا فِي قُرْبِهِ وَلَا صَلَاحَ لِلْقَلْبِ وَلَا فَلَاحَ إلّا فِي الْإِخْلَاصِ لَهُ وَتَوْحِيدِ حُبّهِ الّذِي إذَا أُطِيعَ شَكَرَ وَإِذَا عُصِيَ تَابَ وَغَفَرَ وَإِذَا دُعِيَ أَجَابَ وَإِذَا عُومِلَ أَثَابَ . وَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي شَهِدَتْ لَهُ بِالرّبُوبِيّةِ جَمِيعُ مَخْلُوقَاتِهِ وَأَقَرّتْ لَهُ بِالْإِلَهِيّةِ جَمِيعُ مَصْنُوعَاتِهِ وَشَهِدَتْ بِأَنّهُ اللّهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ بِمَا أَوْدَعَهَا مِنْ عَجَائِبِ صَنْعَتِهِ وَبَدَائِعِ آيَاتِهِ وَسُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ . وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي إلَهِيّتِهِ كَمَا لَا شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيّتِهِ وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَاَللّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللّه بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَسُبْحَانَ مَنْ سَبّحَتْ لَهُ السّمَوَاتُ وَأَمْلَاكُهَا وَالنّجُومُ وَأَفْلَاكُهَا وَالْأَرْضُ وَسُكّانُهَا وَالْبِحَارُ وَحِيتَانُهَا وَالنّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشّجَرُ وَالدّوَابّ وَالْآكَامُ وَالرّمَالُ وَكُلّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ [ ص 36 ] { تُسَبّحُ لَهُ السّمَاوَاتُ السّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ الْإِسْرَاءُ : 44 ]
[ لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ الشّهَادَتَيْنِ ]
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَلِمَةٌ قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسّمَوَاتُ وَخُلِقَتْ لِأَجْلِهَا جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ وَبِهَا أَرْسَلَ اللّهُ تَعَالَى رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ وَشَرَعَ شَرَائِعَهُ وَلِأَجْلِهَا نُصِبَتْ الْمَوَازِينُ وَوُضِعَتْ الدّوَاوِينُ وَقَامَ سُوقُ الْجَنّةِ وَالنّارِ وَبِهَا انْقَسَمَتْ الْخَلِيقَةُ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفّارِ وَالْأَبْرَارِ وَالْفُجّارِ فَهِيَ مَنْشَأُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ وَالثّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهِيَ الْحَقّ الّذِي خُلِقَتْ لَهُ الْخَلِيقَةُ وَعَنْهَا وَعَنْ حُقُوقِهَا السّؤَالُ وَالْحِسَابُ وَعَلَيْهَا يَقَعُ الثّوَابُ وَالْعِقَابُ وَعَلَيْهَا نُصِبَتْ الْقِبْلَةُ وَعَلَيْهَا أُسّسَتْ الْمِلّةُ وَلِأَجْلِهَا جُرّدَتْ سُيُوفُ الْجِهَادِ وَهِيَ حَقّ اللّهِ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ فَهِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَمِفْتَاحُ دَارِ السّلَامِ وَعَنْهَا يُسْأَلُ الْأَوّلُونَ وَالْآخِرُونَ فَلَا تَزُولُ قَدَمَا الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ اللّهِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ مَسْأَلَتَيْنِ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وَمَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ ؟ فَجَوَابُ الْأُولَى بِتَحْقِيقِ " لَا إلَهَ إلّا اللّهُ " مَعْرِفَةً وَإِقْرَارًا وَعَمَلًا . وَجَوَابُ الثّانِيَةِ بِتَحْقِيقِ " أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ " مَعْرِفَةً وَإِقْرَارًا وَانْقِيَادًا وَطَاعَةً .

(1/1)


--------------------------------------------------------------------------------

[ افْتَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَةَ الرّسُولِ ]
[ شَرْحُ آيَةِ حَسْبُك اللّهُ وَمَنْ اتّبَعَك ]
وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ وَخِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَسَفِيرُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ الْمَبْعُوثُ بِالدّينِ الْقَوِيمِ وَالْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ أَرْسَلَهُ اللّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَإِمَامًا لِلْمُتّقِينَ وَحُجّةً عَلَى الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ . أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنْ الرّسُلِ فَهَدَى بِهِ إلَى أَقْوَمِ الطّرُقِ وَأَوْضَحِ السّبُلِ وَافْتَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَتَهُ وَتَعْزِيرَهُ وَتَوْقِيرَهُ وَمَحَبّتَهُ وَالْقِيَامَ بِحُقُوقِهِ وَسَدّ دُونَ جَنّتِهِ الطّرُقَ فَلَنْ [ ص 37 ] وَوَضَعَ عَنْهُ وِزْرَهُ وَجَعَلَ الذّلّةَ وَالصّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ . فَفِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُنِيبٍ الْجَرْشِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بُعِثْتُ بِالسّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السّاعَةِ حَتّى يُعْبَدَ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذّلّةُ وَالصّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبّهَ بِقَوْمِ فَهُوَ مِنْهُمْ وَكَمَا أَنّ الذّلّةَ مَضْرُوبَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ فَالْعِزّةُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَتِهِ قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ آل عِمْرَانَ 139 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلِلّهِ الْعِزّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [ الْمُنَافِقُونَ 8 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللّهُ مَعَكُمْ } [ مُحَمّد : 35 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النّبِيّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الْأَنْفَالُ 64 ] . أَيْ اللّهُ وَحْدَهُ كَافِيك وَكَافِي أَتْبَاعَك فَلَا تَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى أَحَدٍ . وَهُنَا تَقْدِيرَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً ل " مَنْ " عَلَى الْكَافِ الْمَجْرُورَةِ وَيَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى الضّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِدُونِ إعَادَةِ الْجَارّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ وَشُبَهُ الْمَنْعِ مِنْهُ وَاهِيَةٌ . وَالثّانِي : أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ وَاوَ " مَعَ " وَتَكُونَ " مَنْ " فِي مَحَلّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الْمَوْضِعِ " فَإِنّ حَسْبَك " فِي مَعْنَى " كَافِيك " أَيْ اللّهُ يَكْفِيك وَيَكْفِي مَنْ اتّبَعَك كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : حَسْبُك وَزَيْدًا دِرْهَمٌ قَالَ الشّاعِرُ إذَا كَانَتْ الْهَيْجَاءُ وَانْشَقّتْ الْعَصَا فَحَسْبُكَ وَالضّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنّدٌ
[ ص 38 ] وَفِيهَا تَقْدِيرٌ ثَالِثٌ أَنْ تَكُونَ " مَنْ " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ أَيْ وَمَنْ اتّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَحَسْبُهُمْ اللّهُ .
[ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَسْبِ وَالتّأْيِيدِ ]
وَفِيهَا تَقْدِيرٌ رَابِعٌ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنْ تَكُونَ " مَنْ " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللّهِ وَيَكُونَ الْمَعْنَى : حَسْبُك اللّه وَأَتْبَاعُك وَهَذَا وَإِنْ قَالَهُ بَعْضُ النّاسِ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ فَإِنّ " الْحَسْبَ " و " الْكِفَايَةَ " لِلّهِ وَحْدَهُ كَالتّوَكّلِ وَالتّقْوَى وَالْعِبَادَةِ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الّذِي أَيّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ } [ الْأَنْفَالُ 62 ] . فَفَرّقَ بَيْنَ الْحَسْبِ وَالتّأْيِيدِ فَجَعَلَ الْحَسْبَ لَهُ وَحْدَهُ وَجَعَلَ التّأْيِيدَ لَهُ بِنَصْرِهِ وَبِعِبَادِهِ وَأَثْنَى اللّه سُبْحَانَهُ عَلَى أَهْلِ التّوْحِيدِ وَالتّوَكّلِ مِنْ عِبَادِهِ حَيْثُ أَفْرَدُوهُ بِالْحَسْبِ فَقَالَ تَعَالَى: { الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [ آل عِمْرَانَ 173 ] . وَلَمْ يَقُولُوا : حَسْبُنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَهُمْ وَمَدَحَ الرّبّ تَعَالَى لَهُمْ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَسُولِهِ اللّهُ وَأَتْبَاعُك حَسْبُك وَأَتْبَاعُهُ قَدْ أَفْرَدُوا الرّبّ تَعَالَى بِالْحَسْبِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِهِ فِيهِ فَكَيْفَ يُشْرِكُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فِي حَسْبِ رَسُولِهِ ؟ هَذَا مِنْ أَمْحَلْ الْمُحَالِ وَأَبْطَلْ الْبَاطِلِ وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } [ التّوْبَةُ 59 ] . فَتَأَمّلْ كَيْفَ جَعَلَ الْإِيتَاءَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ } [ الْحَشْرُ 59 ] . وَجَعَلَ الْحَسْبَ لَهُ وَحْدَهُ فَلَمْ يَقُلْ وَقَالُوا : حَسْبُنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ بَلْ جَعَلَهُ خَالِصَ حَقّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إِنّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } [ التّوْبَةُ 59 ] . وَلَمْ يَقُلْ وَإِلَى رَسُولِهِ بَلْ جَعَلَ الرّغْبَةَ إلَيْهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبّكَ فَارْغَبْ } [ الِانْشِرَاحُ 87 ] . فَالرّغْبَةُ وَالتّوَكّلُ وَالْإِنَابَةُ وَالْحَسْبُ لِلّهِ وَحْدَهُ كَمَا أَنّ الْعِبَادَةَ وَالتّقْوَى وَالسّجُودَ لِلّهِ وَحْدَهُ وَالنّذْرُ وَالْحَلِفُ لَا يَكُونُ إلّا لِلّهِ سُبْحَانَهُ [ ص 39 ] { أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [ الزّمَرُ 36 ] . فَالْحَسْبُ هُوَ الْكَافِي فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنّهُ وَحْدَهُ كَافٍ عَبْدَهُ فَكَيْفَ يَجْعَلُ أَتْبَاعَهُ مَعَ اللّهِ فِي هَذِهِ الْكِفَايَةِ ؟ وَالْأَدِلّةُ الدّالّةُ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا التّأْوِيلِ الْفَاسِدِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ هَاهُنَا . وَالْمَقْصُودُ أَنّ بِحَسَبِ مُتَابَعَةِ الرّسُولِ تَكُونُ الْعِزّةُ وَالْكِفَايَةُ وَالنّصْرَةُ كَمَا أَنّ بِحَسَبِ مُتَابَعَتِهِ تَكُونُ الْهِدَايَةُ وَالْفَلَاحُ وَالنّجَاةُ فَاَللّهُ سُبْحَانَهُ عَلّقَ سَعَادَةَ الدّارَيْنِ بِمُتَابَعَتِهِ وَجَعَلَ شَقَاوَةَ الدّارَيْنِ فِي مُخَالَفَتِهِ فَلِأَتْبَاعِهِ الْهُدَى وَالْأَمْنُ وَالْفَلَاحُ وَالْعِزّةُ وَالْكِفَايَةُ وَالنّصْرَةُ وَالْوِلَايَةُ وَالتّأْيِيدُ وَطِيبُ الْعَيْشِ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِمُخَالِفِيهِ الذّلّةُ وَالصّغَارُ وَالْخَوْفُ وَالضّلَالُ وَالْخِذْلَانُ وَالشّقَاءُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَقَدْ أَقْسَمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنْ لَا يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتّى يَكُونَ هُوَ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ وَأَقْسَمَ اللّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ لَا يُؤْمِنَ مَنْ لَا يُحَكّمُهُ فِي كُلّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ ثُمّ يَرْضَى بِحُكْمِهِ وَلَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمّا حَكَمَ بِهِ ثُمّ يُسَلّمُ لَهُ تَسْلِيمًا وَيَنْقَادُ لَهُ انْقِيَادًا . [ ص 40 ] وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [ الْأَحْزَابُ 36 ] . فَقَطَعَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التّخْيِيرَ بَعْدَ أَمْرِهِ وَأَمْرِ رَسُولَهُ فَلَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَخْتَارَ شَيْئًا بَعْدَ أَمْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ إذَا أَمَرَ فَأَمْرُهُ حَتْمٌ وَإِنّمَا الْخِيَرَةُ فِي قَوْلِ غَيْرِهِ إذَا خَفِيَ أَمْرُهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ وَبِسُنّتِهِ فَبِهَذِهِ الشّرُوطِ يَكُونُ قَوْلُ غَيْرِهِ سَائِغَ الِاتّبَاعِ لَا وَاجِبَ الِاتّبَاعِ فَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ اتّبَاعُ قَوْلِ أَحَدٍ سِوَاهُ بَلْ غَايَتُهُ أَنّهُ يَسُوغُ لَهُ اتّبَاعُهُ وَلَوْ تَرَكَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا لِلّهِ وَرَسُولِهِ . فَأَيْنَ هَذَا مِمّنْ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلّفِينَ اتّبَاعُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ كُلّ قَوْلٍ لِقَوْلِهِ ؟ فَلَا حُكْمَ لِأَحَدِ مَعَهُ وَلَا قَوْلَ لِأَحَدِ مَعَهُ كَمَا لَا تَشْرِيعَ لِأَحَدِ مَعَهُ وَكُلّ مَنْ سِوَاهُ فَإِنّمَا يَجِبُ اتّبَاعُهُ عَلَى قَوْلِهِ إذَا أَمَرَ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَمّا نَهَى عَنْهُ فَكَانَ مُبَلّغًا مَحْضًا وَمُخْبِرًا لَا مُنْشِئًا وَمُؤَسّسًا فَمَنْ أَنْشَأَ أَقْوَالًا وَأَسّسَ قَوَاعِدَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَتَأْوِيلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأُمّةِ اتّبَاعُهَا وَلَا التّحَاكُمُ إلَيْهَا حَتّى تُعْرَضَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرّسُولُ فَإِنْ طَابَقَتْهُ وَوَافَقَتْهُ وَشُهِدَ لَهَا بِالصّحّةِ قُبِلَتْ حِينَئِذٍ وَإِنْ خَالَفَتْهُ وَجَبَ رَدّهَا وَاطّرَاحُهَا فَإِنْ لَمْ يَتَبَيّنْ فِيهَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ جُعِلَتْ مَوْقُوفَةً وَكَانَ أَحْسَنُ أَحْوَالِهَا أَنْ يَجُوزَ الْحُكْمُ وَالْإِفْتَاءُ بِهَا وَتَرْكُهُ وَأَمّا أَنّهُ يَجِبُ وَيَتَعَيّنُ فَكَلّا وَلَمّا.
[ الْمُرَادُ بِالِاخْتِيَارِ فِي وَرَبّك يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ هُوَ الِاصْطِفَاءُ ]
وَبَعْدُ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ قَالَ اللّهُ تَعَالَى: { وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [ الْقَصَصُ 68 ] . وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا بِالِاخْتِيَارِ الْإِرَادَةُ الّتِي يُشِيرُ إلَيْهَا الْمُتَكَلّمُونَ بِأَنّهُ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ - وَهُوَ سُبْحَانُهُ - كَذَلِكَ وَلَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاخْتِيَارِ هَاهُنَا هَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا الِاخْتِيَارُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ فَإِنّهُ لَا يَخْلُقُ إلّا بِاخْتِيَارِهِ وَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَا يَشَاءُ فَإِنّ الْمَشِيئَةَ هِيَ الِاخْتِيَارُ وَإِنّمَا الْمُرَادُ بِالِاخْتِيَارِ هَاهُنَا : الِاجْتِبَاءُ وَالِاصْطِفَاءُ فَهُوَ اخْتِيَارٌ بَعْدَ الْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارُ الْعَامّ اخْتِيَارٌ قَبْلَ الْخَلْقِ فَهُوَ أَعَمّ وَأَسْبَقُ وَهَذَا أَخَصّ وَهُوَ مُتَأَخّرٌ فَهُوَ اخْتِيَارٌ مِنْ الْخَلْقِ وَالْأَوّلُ اخْتِيَارٌ لِلْخَلْقِ . وَأَصَحّ الْقَوْلَيْنِ أَنّ الْوَقْفَ التّامّ عَلَى قَوْلِهِ وَيَخْتَار.
[ مَا فِي مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ لِلنّفْيِ ]
وَيَكُونُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ نَفْيًا أَيْ لَيْسَ هَذَا الِاخْتِيَارُ إلَيْهِمْ بَلْ هُوَ إلَى الْخَالِقِ وَحْدَهُ فَكَمَا أَنّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ فَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالِاخْتِيَارِ مِنْهُ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَخْلُقَ وَلَا أَنْ يَخْتَارَ سِوَاهُ فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ اخْتِيَارِهِ وَمَحَالّ رِضَاهُ وَمَا يَصْلُحُ لِلِاخْتِيَارِ مِمّا لَا يَصْلُحُ لَهُ وَغَيْرُهُ لَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ .
[ الرّدّ عَلَى مَنْ قَالَ إنّ مَا مَوْصُولَةٌ وَهِيَ مَفْعُولُ وَيَخْتَارُ ]
وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ وَلَا تَحْصِيلَ إلَى أَنّ " مَا " في قَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } مَوْصُولَةٌ وَهِيَ مَفْعُولٌ " وَيَخْتَارُ " أَيْ وَيَخْتَارُ الّذِي لَهُمْ الْخِيَرَةُ وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ . أَحَدُهَا : أَنّ الصّلَةَ حِينَئِذٍ تَخْلُو مِنْ الْعَائِدِ لِأَنّ " الْخِيرَةَ " مَرْفُوعٌ بِأَنّهُ اسْمُ " كَانَ " وَالْخَبَرُ " لَهُمْ " فَيَصِيرُ الْمَعْنَى : وَيَخْتَارُ الْأَمْرَ الّذِي كَانَ الْخِيَرَةَ لَهُمْ وَهَذَا التّرْكِيبُ مُحَالٌ مِنْ الْقَوْلِ . فَإِنْ قِيلَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأَنْ يَكُونَ الْعَائِدُ مَحْذُوفًا وَيَكُونَ التّقْدِيرُ وَيَخْتَارُ الّذِي كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ فِيهِ أَيْ وَيَخْتَارُ الْأَمْرَ الّذِي كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ فِي اخْتِيَارِهِ . قِيلَ هَذَا يَفْسُدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الّتِي يَجُوزُ فِيهَا حَذْفُ الْعَائِدِ فَإِنّهُ إنّمَا يُحْذَفُ مَجْرُورًا إذَا جُرّ بِحَرْفِ جُرّ الْمَوْصُولُ بِمِثْلِهِ مَعَ اتّحَادِ الْمَعْنَى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: { يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ } [ الْمُؤْمِنُونَ 33 ] وَنَظَائِرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ جَاءَنِي الّذِي مَرَرْت وَرَأَيْت الّذِي رَغِبْت وَنَحْوَهُ . الثّانِي : أَنّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَنَصَبَ " الْخِيَرَةَ " وَشَغَلَ فِعْلَ الصّلَةِ بِضَمِيرِ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُولِ فَكَأَنّهُ يَقُولُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ أَيْ الّذِي كَانَ هُوَ عَيْنَ الْخِيَرَةِ لَهُمْ وَهَذَا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ الْبَتّةَ مَعَ أَنّهُ كَانَ وَجّهَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا التّقْدِيرِ . الثّالِثُ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَحْكِي عَنْ الْكُفّارِ اقْتِرَاحَهُمْ فِي الِاخْتِيَارِ وَإِرَادَتَهُمْ [ ص 42 ] تَكُونَ الْخِيَرَةُ لَهُمْ ثُمّ يَنْفِي هَذَا سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَيُبَيّنُ تَفَرّدَهُ هُوَ بِالِاخْتِيَارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَقَالُوا لَوْلَا نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيّا وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ } [ الزّخْرُفُ 32 . 31 ] فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ تَخَيّرَهُمْ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ أَنّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ بَلْ إلَى الّذِي قَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ الْمُتَضَمّنَةَ لِأَرْزَاقِهِمْ وَمُدَدِ آجَالِهِمْ وَكَذَلِكَ هُوَ الّذِي يَقْسِمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أَهْلِ الْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَوَاقِعِ الِاخْتِيَارِ وَمَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِمّنْ لَا يَصْلُحُ وَهُوَ الّذِي رَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٌ وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَدَرَجَاتِ التّفْضِيلِ فَهُوَ الْقَاسِمُ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا غَيْرُهُ وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ بَيّنَ فِيهَا انْفِرَادَهُ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ وَأَنّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ اخْتِيَارِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الْأَنْعَامُ 124 ] أَيْ اللّهُ أَعْلَمُ بِالْمَحَلّ الّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفَائِهِ وَكَرَامَتِهِ وَتَخْصِيصِهِ بِالرّسَالَةِ وَالنّبُوّةِ دُونَ غَيْرِهِ . الرّابِعُ أَنّهُ نَزّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَمّا اقْتَضَاهُ شِرْكُهُمْ مِنْ اقْتِرَاحِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ فَقَالَ { مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللّهِ وَتَعَالَى عَمّا يُشْرِكُونَ } [ الْقَصَصُ 68 ] وَلَمْ يَكُنْ شِرْكُهُمْ مُقْتَضِيًا لِإِثْبَاتِ خَالِقٍ سِوَاهُ حَتّى نَزّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ فَتَأَمّلْهُ فَإِنّهُ فِي غَايَةِ اللّطْفِ . الْخَامِسُ أَنّ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي [ الْحَجّ 73 - 76 ] : { إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ } ثُمّ قَالَ { اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي [ الْقَصَصِ 69 ] { وَرَبّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } وَنَظِيرُ قَوْلِهِ فِي [ الْأَنْعَامِ 124 ] { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فَأَخْبَرَ فِي ذَلِكَ كُلّهِ عَنْ عِلْمِهِ [ ص 43 ] دُونَ غَيْرِهَا فَتَدَبّرْ السّيَاقَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَجِدْهُ مُتَضَمّنًا لِهَذَا الْمَعْنَى زَائِدًا عَلَيْهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . السّادِسُ أَنّ هَذِهِ الْآيَةَ مَذْكُورَةٌ عُقَيْب قَوْلِهِ { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ فَأَمّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [ الْقَصَصُ 65 - 68 ] فَكَمَا خَلَقَهُمْ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ اخْتَارَ مِنْهُمْ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَكَانُوا صَفْوَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَكَانَ هَذَا الِاخْتِيَارُ رَاجِعًا إلَى حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ لَا إلَى اخْتِيَارِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَاقْتِرَاحِهِمْ فَسُبْحَانَ اللّه وَتَعَالَى عَمّا يُشْرِكُونَ .

(1/36)
يتبع.................................... ...........

عُدلت بواسطة أبوبكر; 03-10-2007 الساعة 12:40 AM السبب: أفضل
  #2  
قديم 03-11-2007, 05:35 AM
عالي الخيل
زائر
 
المشاركات: n/a


بارك الله فيك

والدّال على الخير ... ك فاعله



تقديري و احترامي
  #3  
قديم 03-13-2007, 01:23 PM
الصورة الرمزية لـ جوليان
آدم
 
تاريخ التسجيل: Jun 2006
البلد: صفحات الزمن
المشاركات: 5,082
الدولة: فلسطين
جوليان has a spectacular aura aboutجوليان has a spectacular aura aboutجوليان has a spectacular aura about

بارك الله فيك وبقلمك

جزاك الله كل خير وجعله في ميزان حسناتك

دمت بحفظ الله

آدم
__________________





  #4  
قديم 03-16-2007, 06:14 PM
أبوبكر
زائر
 
المشاركات: n/a

فَصْلٌ [ الِاخْتِيَارُ دَالّ عَلَى رُبُوبِيّتِهِ سُبْحَانَهُ ]
وَإِذَا تَأَمّلْت أَحْوَالَ هَذَا الْخَلْقِ رَأَيْتَ هَذَا الِاخْتِيَارَ وَالتّخْصِيصَ فِيهِ دَالّا عَلَى رُبُوبِيّتِهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيّتِهِ وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنّهُ اللّهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هو فَلَا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ وَيَخْتَارُ كَاخْتِيَارِهِ وَيُدَبّرُ كَتَدْبِيرِهِ فَهَذَا الِاخْتِيَارُ وَالتّدْبِيرُ وَالتّخْصِيصُ الْمَشْهُودُ أَثَرُهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ رُبُوبِيّتِهِ وَأَكْبَرِ شَوَاهِدِ وَحْدَانِيّتِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ فَنُشِيرُ مِنْهُ إلَى يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبّهًا عَلَى مَا وَرَاءَهُ دَالّا عَلَى مَا سِوَاهُ . فَخَلَقَ اللّهُ السّمَوَاتِ سَبْعًا فَاخْتَارَ الْعُلْيَا مِنْهَا فَجَعَلَهَا مُسْتَقَرّ الْمُقَرّبِينَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَاخْتَصّهَا بِالْقُرْبِ مِنْ كُرْسِيّهِ وَمِنْ عَرْشِهِ وَأَسْكَنَهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ فَلَهَا مَزِيّةٌ وَفَضْلٌ عَلَى سَائِرِ السّمَوَاتِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قُرْبُهَا مِنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَهَذَا التّفْضِيلُ وَالتّخْصِيصُ مَعَ تَسَاوِي مَادّةِ السّمَوَاتِ مِنْ أَبْيَنِ الْأَدِلّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَنّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [ ص 44 ] وَمِنْ هَذَا تَفْضِيلُهُ سُبْحَانَهُ جَنّةَ الْفِرْدَوْسِ عَلَى سَائِرِ الْجِنَانِ وَتَخْصِيصُهَا بِأَنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَهَا وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ " إنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَاخْتَارَهَا لِخِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ " . وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْهُمْ عَلَى سَائِرِهِمْ كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ اللّهُمّ رَبّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقّ بِإِذْنِك إنّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِكَمَالِ اخْتِصَاصِهِمْ وَاصْطِفَائِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللّهِ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ غَيْرِهِمْ فِي السّمَوَاتِ فَلَمْ يُسَمّ إلّا هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ . فَجِبْرِيلُ صَاحِبُ الْوَحْيِ الّذِي بِهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحُ وَمِيكَائِيلُ صَاحِبُ الْقَطْرِ الّذِي بِهِ حَيَاةُ الْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ وَالنّبَاتِ وَإِسْرَافِيلُ صَاحِبُ الصّورِ الّذِي إذَا نَفَخَ فِيهِ أَحْيَتْ نَفْخَتُهُ بِإِذْنِ اللّهِ الْأَمْوَاتَ وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ .
[ بَيَانُ الِاخْتِيَارِ مِنْ الْبَشَرِ ]
وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصّلَاةُ [ ص 45 ] ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ الّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبّانَ فِي " صَحِيحِهِ " وَاخْتِيَارُهُ أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ وَهُمْ خَمْسَةٌ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ والشّورَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النّبِيّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } [ الْأَحْزَابُ 7 ] وَقَالَ تَعَالَى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ مَا وَصّى بِهِ نُوحًا وَالّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدّينَ وَلَا تَتَفَرّقُوا فِيهِ } [ الشّورَى : 13 ] وَاخْتَارَ مِنْهُمْ الْخَلِيلَيْنِ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمّدًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِمَا وَآلِهِمَا وَسَلّمَ . وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ وَلَدَ إسْمَاعِيلَ مِنْ أَجْنَاسِ بَنِي آدَمَ ثُمّ اخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي كِنَانَةَ مِنْ خُزَيْمَةَ ثُمّ اخْتَارَ مِنْ وَلَدِ كِنَانَةَ قُرَيْشًا ثُمّ اخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ ثُمّ اخْتَارَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ سَيّدَ وَلَدِ آدَمَ مُحَمّدًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 46 ] وَكَذَلِكَ اخْتَارَ أَصْحَابُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِينَ وَاخْتَارَ مِنْهُمْ السّابِقِينَ الْأَوّلِينَ وَاخْتَارَ مِنْهُمْ أَهْلَ بَدْرٍ وَأَهْلَ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ وَاخْتَارَ لَهُمْ مِنْ الدّينِ أَكْمَلَهُ وَمِنْ الشّرَائِعِ أَفْضَلَهَا وَمِنْ الْأَخْلَاقِ أَزْكَاهَا وَأَطْيَبَهَا وَأَطْهَرَهَا . وَاخْتَارَ أُمّتَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ كَمَا فِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْتُمْ مُوفُونَ سَبْعِينَ أُمّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللّهِ قَالَ عَلِيّ بْنُ الْمَدِينِيّ وَأَحْمَدُ حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ صَحِيحٌ . وَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِيَارِ فِي أَعْمَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنّةِ وَمَقَامَاتِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ فَإِنّهُمْ أَعْلَى مِنْ النّاسِ عَلَى تَلّ فَوْقَهُمْ يُشْرِفُونَ عَلَيْهِمْ وَفِي التّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْلُ الْجَنّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ قَالَ التّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَاَلّذِي فِي " الصّحِيحِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَدِيثِ بَعْثِ النّارِ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنّةِ [ ص 47 ] يُقَالَ هَذَا أَصَحّ وَإِمّا أَنْ يُقَالَ إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَمِعَ أَنْ تَكُونَ أُمّتُهُ شَطْرَ أَهْلِ الْجَنّةِ فَأَعْلَمَهُ رَبّهُ فَقَالَ إنّهُمْ ثَمَانُونَ صَفّا مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ صَفّا فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ تَفْضِيلِ اللّهِ لِأُمّتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لَهَا أَنّهُ وَهَبَهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ مَا لَمْ يَهَبْهُ لِأُمّةِ سِوَاهَا وَفِي " مُسْنَدِ الْبَزّارِ " وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيث ِ أَبِي الدّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ إنّ اللّهَ تَعَالَى قَالَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ : إنّي بَاعِثٌ مِنْ بَعْدِكَ أُمّةً إنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبّونَ حَمِدُوا وَشَكَرُوا وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا وَلَا حِلْمَ وَلَا عِلْمَ قَالَ يَا رَبّ كَيْفَ هَذَا وَلَا حِلْمَ وَلَا عِلْمَ ؟ قَالَ أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي

(1/43)


--------------------------------------------------------------------------------

[ اخْتِيَارُ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَبَيَانُ خَصَائِصِهِ ]
وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ الْأَمَاكِنِ وَالْبِلَادِ خَيْرَهَا وَأَشْرَفَهَا وَهِيَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اخْتَارَهُ لِنَبِيّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَعَلَهُ مَنَاسِكَ لِعِبَادِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِتْيَانَ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيقٍ فَلَا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَوَاضِعِينَ مُتَخَشّعِينَ مُتَذَلّلِينَ كَاشِفِي رُءُوسِهِمْ مُتَجَرّدِينَ عَنْ لِبَاسِ أَهْلِ الدّنْيَا.
وَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لَا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ وَلَا تُعْضَدُ بِهِ شَجَرَةٌ [ ص 48 ] خَلَاهُ وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتّمْلِيكِ بَلْ لِلتّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا وَجَعَلَ قَصْدَهُ مُكَفّرًا لِمَا سَلَفَ مِنْ الذّنُوبِ مَاحِيًا لِلْأَوْزَارِ حَاطّا لِلْخَطَايَا كَمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّهُ وَلَمْ يَرْضَ لِقَاصِدِهِ مِنْ الثّوَابِ دُونَ الْجَنّةِ فَفِي " السّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنّةِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلّا الْجَنّةَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْبَلَدُ الْأَمِينُ خَيْرَ بِلَادِهِ وَأَحَبّهَا إلَيْهِ وَمُخْتَارَهُ مِنْ الْبِلَادِ لَمَا جَعَلَ عَرَصَاتِهَا مَنَاسِكَ لِعِبَادِهِ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قَصْدَهَا وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ آكَدِ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ وَأَقْسَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى : { وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } [ التّينُ 3 ] [ ص 49 ] وَقَالَ تَعَالَى : { لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } [ الْبَلَدُ 1 ] وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بُقْعَةٌ يَجِبُ عَلَى كُلّ قَادِرٍ السّعْيُ إلَيْهَا وَالطّوَافُ بِالْبَيْتِ الّذِي فِيهَا غَيْرَهَا وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَوْضِعٌ يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ وَاسْتِلَامُهُ وَتُحَطّ الْخَطَايَا وَالْأَوْزَارُ فِيهِ غَيْرَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرّكْنِ الْيَمَانِيّ . وَثَبَتَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الصّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فَفِي " سُنَنِ النّسَائِيّ " و " الْمُسْنَدِ " بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ فِي " صَحِيحِهِ " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلِذَلِكَ كَانَ شَدّ الرّحَالِ إلَيْهِ فَرْضًا وَلِغَيْرِهِ مِمّا يُسْتَحَبّ وَلَا يَجِبُ وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَالتّرْمِذِيّ وَالنّسَائِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَدِيّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْحَزْوَرَةِ مِنْ مَكّةَ يَقُولُ وَاَللّهِ إنّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللّهِ وَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَى اللّهِ وَلَوْلَا أَنّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْت قَالَ التّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . [ ص 50 ]
[ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ تَحْرِيمَ اسْتِقْبَالِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَاسْتِدْبَارِهِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ حَتّى فِي الْبُنْيَانِ ]
وَمِنْ خَوَاصّهَا أَيْضًا أَنّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُهَا وَاسْتِدْبَارُهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ دُونَ سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ . وَأَصَحّ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا قَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَيْسَ مَعَ الْمُفَرّقَ مَا يُقَاوِمُهَا الْبَتّةَ مَعَ تَنَاقُضِهِمْ فِي مِقْدَارِ الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِيفَاءِ الْحِجَاجِ مِنْ الطّرَفَيْنِ .
[ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَوّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ ]
وَمِنْ خَوَاصّهَا أَيْضًا أَنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ كَمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي ذَر ّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ أَوّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ ؟ فَقَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ ثُمّ أَيّ ؟ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ أَرْبَعُونَ عَامًا وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُرَادَ بِهِ فَقَالَ مَعْلُومٌ أَنّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ هُوَ الّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ إبْرَاهِيمَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ عَامٍ وَهَذَا مِنْ جَهْلِ هَذَا الْقَائِلِ فَإِنّ سُلَيْمَانَ إنّمَا كَانَ لَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى تَجْدِيدُهُ لَا تَأْسِيسُهُ وَاَلّذِي أَسّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ صَلّى اللّه عَلَيْهِمَا وَآلِهِمَا وَسَلّمَ بَعْدَ بِنَاءِ إبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ [ ص 51 ] أَخْبَرَ أَنّهَا أُمّ الْقُرَى فَالْقُرَى كُلّهَا تَبَعٌ لَهَا وَفَرْعٌ عَلَيْهَا وَهِيَ أَصْلُ الْقُرَى فَيَجِبُ أَلّا يَكُونَ لَهَا فِي الْقُرَى عَدِيلٌ فَهِيَ كَمَا أَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ( الْفَاتِحَةِ أَنّهَا أُمّ الْقُرْآنِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيّةِ عَدِيلٌ .
[ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ دُخُولِهَا لِغَيْرِ أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ الْمُتَكَرّرَةِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ]
وَمِنْ خَصَائِصِهَا أَنّهَا لَا يَجُوزُ دُخُولُهَا لِغَيْرِ أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ الْمُتَكَرّرَةِ إلّا بِإِحْرَامِ وَهَذِهِ خَاصّيّةٌ لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْبِلَادِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَلَقّاهَا النّاسُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ بِإِسْنَادِ لَا يُحْتَجّ بِهِ مَرْفُوعًا لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكّةَ إلّا بِإِحْرَامِ مِنْ أَهْلِهَا وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا ذَكَرَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيّ وَلَكِنّ الْحَجّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ فِي الطّرِيقِ وَآخَرُ قَبْلَهُ مِنْ الضّعَفَاءِ . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ النّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ هُوَ دَاخِلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ هُوَ قَبْلَهَا فَمَنْ قَبْلَهَا لَا يُجَاوِزُهَا إلّا بِإِحْرَامِ وَمَنْ هُوَ دَاخِلُهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكّةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَوْلَانِ الْأَوّلَانِ لِلشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ .
[ الْمُعَاقَبَةُ فِيهِ عَلَى الْهَمّ بِالسّيّئَاتِ ]
وَمِنْ خَوَاصّهِ أَنّهُ يُعَاقَبُ فِيهِ عَلَى الْهَمّ بِالسّيّئَاتِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الْحَجّ 25 ] فَتَأَمّلْ [ ص 52 ] كَيْفَ عَدّى فِعْلَ الْإِرَادَةِ هَاهُنَا بِالْبَاءِ وَلَا يُقَالُ أَرَدْتُ بِكَذَا إلّا لِمَا ضُمّنَ مَعْنَى فِعْلِ " هَمّ " فَإِنّهُ يُقَالُ هَمَمْت بِكَذَا فَتَوَعّدَ مَنْ هَمّ بِأَنْ يَظْلِمَ فِيهِ بِأَنْ يُذِيقَهُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ .
[ مُضَاعَفَةَ مَقَادِيرِ السّيّئَاتِ فِيهِ ]
وَمِنْ هَذَا تَضَاعُفُ مَقَادِيرِ السّيّئَاتِ فِيهِ لَا كَمّيّاتُهَا فَإِنّ السّيّئَةَ جَزَاؤُهَا سَيّئَةٌ لَكِنْ سَيّئَةٌ كَبِيرَةٌ جَزَاؤُهَا مِثْلُهَا وَصَغِيرَةٌ جَزَاؤُهَا مِثْلُهَا فَالسّيّئَةُ فِي حَرَمِ اللّهِ وَبَلَدِهِ وَعَلَى بِسَاطِهِ آكَدُ وَأَعْظَمُ مِنْهَا فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ وَلِهَذَا لَيْسَ مَنْ عَصَى الْمَلِكَ عَلَى بِسَاطِ مُلْكِهِ كَمَنْ عَصَاهُ فِي الْمَوْضِعِ الْبَعِيدِ مِنْ دَارِهِ وَبِسَاطِهِ فَهَذَا فَصْلُ النّزَاعِ فِي تَضْعِيفِ السّيّئَاتِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
[ انْجِذَابُ الْأَفْئِدَةِ إلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ ]
وَقَدْ ظَهَرَ سِرّ هَذَا التّفْضِيلِ وَالِاخْتِصَاصِ فِي انْجِذَابِ الْأَفْئِدَةِ وَهَوَى الْقُلُوبِ وَانْعِطَافِهَا وَمَحَبّتِهَا لِهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أَعْظَمُ مِنْ جَذْبِ الْمِغْنَاطِيسِ لِلْحَدِيدِ فَهُوَ الْأَوْلَى بِقَوْلِ الْقَائِلِ محَاسِنُهُ هَيُولَى كُلّ حُسْنٍ وَمِغْنَاطِيسُ أَفْئِدَةِ الرّجَالِ
وَلِهَذَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ مَثَابَةٌ لِلنّاسِ أَيْ يَثُوبُونَ إلَيْهِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْوَامِ مِنْ جَمِيعِ الْأَقْطَارِ وَلَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا بَلْ كُلّمَا ازْدَادُوا لَهُ زِيَارَةً ازْدَادُوا لَهُ اشْتِيَاقًا . لَا يَرْجِعُ الطّرْفُ عَنْهَا حِينَ يَنْظُرُهَا حَتّى يَعُودَ إلَيْهَا الطّرْفُ مُشْتَاقًا
فَلَلّهِ كَمْ لَهَا مِنْ قَتِيلٍ وَسَلِيبٍ وَجَرِيحٍ وَكَمْ أُنْفِقَ فِي حُبّهَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَرْوَاحِ وَرِضَى الْمُحِبّ بِمُفَارَقَةِ فِلَذِ الْأَكْبَادِ وَالْأَهْلِ وَالْأَحْبَابِ وَالْأَوْطَانِ مُقَدّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْوَاعَ الْمَخَاوِفِ وَالْمَتَالِفِ وَالْمَعَاطِفِ وَالْمَشَاقّ وَهُوَ يَسْتَلِذّ ذَلِكَ كُلّهُ وَيَسْتَطِيبُهُ وَيَرَاهُ - لَوْ ظَهَرَ سُلْطَانُ الْمَحَبّةِ فِي قَلْبِهِ - أَطْيَبُ مِنْ نِعَمِ الْمُتَحَلّيَةِ وَتَرَفِهِمْ وَلَذّاتِهِمْ وَلَيْسَ مُحِبّا مَنْ يُعَدّ شَقَاؤُهُ عَذَابًا إذَا مَا كَانَ يَرْضَى حَبِيبُهُ
وَهَذَا كُلّهُ سِرّ إضَافَتِهِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ { وَطَهّرْ بَيْتِيَ } [ الْحَجّ 26 ] فَاقْتَضَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ الْخَاصّةُ مِنْ هَذَا الْإِجْلَالِ وَالتّعْظِيمِ وَالْمَحَبّةِ مَا [ ص 53 ] أَضَافَهُ الرّبّ تَعَالَى إلَى نَفْسِهِ فَلَهُ مِنْ الْمَزِيّةِ وَالِاخْتِصَاصِ عَلَى غَيْرِهِ مَا أَوْجَبَ لَهُ الِاصْطِفَاءَ وَالِاجْتِبَاءَ ثُمّ يَكْسُوهُ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ تَفْضِيلًا آخَرَ وَتَخْصِيصًا وَجَلَالَةً زَائِدًا عَلَى مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الْإِضَافَةِ وَلَمْ يُوَفّقْ لِفَهْمِ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ سَوّى بَيْنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ وَزَعَمَ أَنّهُ لَا مَزِيّةَ لِشَيْءِ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ وَإِنّمَا هُوَ مُجَرّدُ التّرْجِيحِ بِلَا مُرَجّحٍ وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ وَجْهًا قَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَيَكْفِي تَصَوّرُ هَذَا الْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ فِي فَسَادِهِ فَإِنّ مَذْهَبَنَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ ذَوَاتُ الرّسُلِ كَذَوَاتِ أَعْدَائِهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنّمَا التّفْضِيلُ بِأَمْرِ لَا يَرْجِعُ إلَى اخْتِصَاصِ الذّوَاتِ بِصِفَاتِ وَمَزَايَا لَا تَكُونُ لِغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ نَفْسُ الْبِقَاعِ وَاحِدَةً بِالذّاتِ لَيْسَ لِبُقْعَةِ عَلَى بُقْعَةٍ مَزِيّةٌ الْبَتّةَ وَإِنّمَا هُوَ لِمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصّالِحَةِ فَلَا مَزِيّةَ لِبُقْعَةِ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمِنًى وَعَرَفَةَ وَالْمَشَاعِرِ عَلَى أَيّ بُقْعَةٍ سَمّيْتهَا مِنْ الْأَرْضِ وَإِنّمَا التّفْضِيلُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ الْبُقْعَةِ لَا يَعُودُ إلَيْهَا وَلَا إلَى وَصْفٍ قَائِمٍ بِهَا وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ رَدّ هَذَا الْقَوْلَ الْبَاطِلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ } قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الْأَنْعَامُ 124 ] أَيْ لَيْسَ كُلّ أَحَدٍ أَهْلًا وَلَا صَالِحًا لِتَحَمّلِ رِسَالَتِهِ بَلْ لَهَا مَحَالّ مَخْصُوصَةٌ لَا تَلِيقُ إلّا بِهَا وَلَا تَصْلُحُ إلّا لَهَا وَاَللّهُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْمَحَالّ مِنْكُمْ . وَلَوْ كَانَتْ الذّوَاتُ مُتَسَاوِيَةً كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ رَدّ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ } [ الْأَنْعَامُ 53 ] أَيْ هُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يَشْكُرُهُ عَلَى نِعْمَتِهِ فَيَخْتَصّهُ بِفَضْلِهِ وَيَمُنّ عَلَيْهِ مِمّنْ لَا يَشْكُرُهُ فَلَيْسَ كُلّ مَحَلّ يَصْلُحُ لِشُكْرِهِ وَاحْتِمَالِ مِنّتِهِ وَالتّخْصِيصِ بِكَرَامَتِهِ . فَذَوَاتُ مَا اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَشْخَاصِ وَغَيْرِهَا [ ص 54 ] وَلِأَجْلِهَا اصْطَفَاهَا اللّهُ وَهُوَ سُبْحَانُهُ الّذِي فَضّلَهَا بِتِلْكَ الصّفَاتِ وَخَصّهَا بِالِاخْتِيَارِ فَهَذَا خَلْقُهُ وَهَذَا اخْتِيَارُهُ { وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [ الْقَصَصُ 67 ] وَمَا أَبْيَنَ بُطْلَانِ رَأْيٍ يَقْضِي بِأَنّ مَكَانَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مُسَاوٍ لِسَائِرِ الْأَمْكِنَةِ وَذَاتَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُسَاوِيَةٌ لِسَائِرِ حِجَارَةِ الْأَرْضِ وَذَاتَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُسَاوِيَةٌ لِذَاتِ غَيْرِهِ وَإِنّمَا التّفْضِيلُ فِي ذَلِكَ بِأُمُورِ خَارِجَةٍ عَنْ الذّاتِ وَالصّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ وَأَمْثَالُهَا مِنْ الْجِنَايَاتِ الّتِي جَنَاهَا الْمُتَكَلّمُونَ عَلَى الشّرِيعَةِ وَنَسَبُوهَا إلَيْهَا وَهِيَ بَرِيئَةٌ مِنْهَا وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ اشْتِرَاكِ الذّوَاتِ فِي أَمْرٍ عَامّ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنّ الْمُخْتَلِفَاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ فِي أَمْرٍ عَامّ مَعَ اخْتِلَافِهَا فِي صِفَاتِهَا النّفْسِيّةِ وَمَا سِوَى اللّهُ تَعَالَى بَيْنَ ذَاتِ الْمِسْكِ وَذَاتِ الْبَوْلِ أَبَدًا وَلَا بَيْنَ ذَاتِ الْمَاءِ وَذَاتِ النّارِ أَبَدًا وَالتّفَاوُتُ الْبَيّنُ بَيْنَ الْأَمْكِنَةِ الشّرِيفَةِ وَأَضْدَادِهَا وَالذّوَاتِ الْفَاضِلَةِ وَأَضْدَادِهَا أَعْظَمُ مِنْ هَذَا التّفَاوُتِ بِكَثِيرِ فَبَيْنَ ذَاتِ مُوسَى عَلَيْهِ السّلَام وَذَاتِ فِرْعَوْنَ مِنْ التّفَاوُتِ أَعْظَمُ مِمّا بَيْنَ الْمِسْكِ وَالرّجِيعِ وَكَذَلِكَ التّفَاوُتُ بَيْنَ نَفْسِ الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ بَيْتِ السّلْطَانِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا التّفَاوُتِ أَيْضًا بِكَثِيرِ فَكَيْفَ تُجْعَلُ الْبُقْعَتَانِ سَوَاءً فِي الْحَقِيقَةِ وَالتّفْضِيلُ بِاعْتِبَارِ مَا يَقَعُ هُنَاكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْأَذْكَارِ وَالدّعَوَاتِ ؟ وَلَمْ نَقْصِدْ اسْتِيفَاءَ الرّدّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الْمَرْدُودِ الْمَرْذُولِ وَإِنّمَا قَصَدْنَا تَصْوِيرَهُ وَإِلَى اللّبِيبِ الْعَادِلِ الْعَاقِلِ التّحَاكُمُ وَلَا يَعْبَأُ اللّهُ وَعِبَادُهُ بِغَيْرِهِ شَيْئًا وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُخَصّصُ شَيْئًا وَلَا يُفَضّلُهُ وَيُرَجّحُهُ إلّا لِمَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وَتَفْضِيلَهُ نَعَمْ هُوَ مُعْطِي ذَلِكَ الْمُرَجّحَ وَوَاهِبُهُ فَهُوَ الّذِي خَلَقَهُ ثُمّ اخْتَارَهُ بَعْدَ خَلْقِهِ { وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ }

(1/47)

*************
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبل أن أبدأ أسئل الله ان يجزيكم الخير على هذه الردود الطيبة وأحثكم إخواني على إعانتي في نشر هذة الخير وأنا بنتظار ردودكم ومشاركاتكم الجميلة
بارك الله بكم

عُدلت بواسطة أبوبكر; 03-16-2007 الساعة 06:14 PM السبب: لظروف إقتصادية سوف يتم دمج مشاركتك
  #5  
قديم 03-16-2007, 07:09 PM
أبوبكر
زائر
 
المشاركات: n/a
Thumbs up كل الشكر لكل من شاركنا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني اليكم بالرابط
لتحميل كتاب زاد المعاد وهو كتاب جميل جدا
الصيغة : وينرار
حجم الملف : 1.01 MB
طق طق للتحميل
الرابط
http://up.9q9q.net/up/index.php?f=jIGqroEbA
والله الموفق
  #6  
قديم 03-18-2007, 02:56 AM
عضو حنين
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
المشاركات: 5,351
الدولة: فلسطين
فارسة حنين is just really niceفارسة حنين is just really niceفارسة حنين is just really niceفارسة حنين is just really nice

يعطيك العافية اخي

ارجو لك التوفيق

ان شاء الله يحسب في ميزان حسناتك
  #7  
قديم 03-18-2007, 11:57 AM
الصورة الرمزية لـ الشمس الغاربة
عضو حنين
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
البلد: ×?°في قلـ،وب أحبـابـ،ـي×?°
المشاركات: 1,311
الدولة: فلسطين
الشمس الغاربة is on a distinguished road

مشكور خيو على جهودك
يعطيك العافية
  #8  
قديم 03-19-2007, 01:24 AM
أبوبكر
زائر
 
المشاركات: n/a

كل الشكرلكم ولردودكم الظيبة
بارك الله بكم
  #9  
قديم 04-03-2007, 05:54 PM
ملك الظلام
زائر
 
المشاركات: n/a

بارك الله فيك

والدّال على الخير ... ك فاعله
  #10  
قديم 04-04-2007, 06:54 AM
أبوبكر
زائر
 
المشاركات: n/a

برك الله فيك
موضوع مغلق

الإشارات المرجعية

أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
يمكنك إضافة ردود
يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق
Trackbacks are مغلق
Pingbacks are مغلق
Refbacks are مغلق


اشتراك في قروب الديوانية
البريد الإلكتروني:

الساعة الآن +3: 01:58 AM.



هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

SEO by vBSEO 3.2.0

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27